محمد متولي الشعراوي
2902
تفسير الشعراوى
وتعالى ؟ لذلك جعل الهدى طعاما لضيوفه . وتزدحم الناس في منى وعرفات بكثرة لا حدود لها ، ولا بد أن يكرمهم اللّه بألذ وأطيب الطعام ، والفقير يذهب إلى المذبح ويأخذ من اللحم أطيبه ويقوم بتجفيفه في الهواء والشمس ويخزنه ليطعم منه طويلا وهو ما يعرف ويسمى بالقديد . والحق سبحانه وتعالى يأتي بالحكم بطريقة لها منتهى البلاغة ، فهو يحرم حتى قلادة الهدى أن يلمسها أحد . ويقول سبحانه : « وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً » أي لا تمنعوا أناسا ذاهبين إلى بيت اللّه الحرام ولا تصدوهم عن السبيل ، فهم وفد اللّه . وقد جاء هذا القول قبل أن ينزّل الحق قوله : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ( من الآية 28 سورة التوبة ) وكان غير المسلمين يحجون بيت اللّه الحرام من قبل نزول هذه الآية ، فلم يكن الحكم قد صدر . ونتساءل : هل الكافرون باللّه يبتغون فضلا من اللّه . ؟ . نعم ففضل اللّه يغمر الجميع حتى الكافر ، لكن رضوان اللّه لا يكون على الكافر . والفضل من التجارة التي كانوا يتاجرون بها ، وفضل اللّه موجود حتى في أيامنا هذه على الكفار أيضا . لكن كيف يتأتى رضوان اللّه على الكافر ؟ . إنه رضوان اللّه المتوهم في معتقدهم . فهم يعتقدون أنهم يفعلون ذلك إرضاء للّه . وتتجلى دقة القرآن حين يقول : « فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً » ، فلم يقل : فضلا من اللّه ورضوانا ؛ لأن العبد المؤمن هو من يختص بتنفيذ التكاليف الإيمانية . وللّه عطاءان : عطاء الربوبية ، فهو المربى الذي استدعى إلى الكون المؤمن والكافر - وسبحانه - سخر الأسباب للكل ؛ هذا هو عطاء الربوبية ، فالشمس تشرق على المؤمن والكافر ، والأسباب قد تعطى المؤمن والكافر ، أما عطاء الألوهية فيتمثل في « افعل » و « لا تفعل » . ويقول الحق هنا : « يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ » . إذن فجناحا المنهج الإيمانى - افعل ولا تفعل - ليست في بالهم . ومن بعد ذلك يقول الحق : « وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا » أي إذا انتهى الإحرام ، وبعد أن يخرج الحاج من الحرم ويتحلل من إحرامه فمن حقه أن يصطاد .